ابو القاسم عبد الكريم القشيري

487

الرسالة القشيرية

وكان الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه اللّه يقول بجوازه . وهو الذي نؤثره ونقول به . وليس ذلك « 1 » بواجب في جميع الأولياء حتى يكون كل ولى يعلم أنه ولى واجبا ولكن يجوز أن يعلم بعضهم كما يجوز أن لا يعلمه بعضهم . فإذا علم بعضهم أنه ولى كانت معرفته تلك كرامة له انفرد بها . وليس كل كرامة لولى يجب أن تكون تلك بعينها لجميع الأولياء . بل لو لم يكن للولي كرامة ظاهرة عليه في الدنيا لم يقدح عدمها في كونه وليا . بخلاف الأنبياء فإنه يجب أن تكون لهم معجزات ؛ لأن النبي مبعوث إلى الخلق فبالناس حاجة إلى معرفة صدقه ؛ ولا يعرف إلا بالمعجزة وبعكس ذلك حال الولي ؛ لأنه ليس بواجب على الخلق ، ولا على الولي أيضا العلم بأنه ولى . والعشرة من الصحابة صدقوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيما أخبرهم به أنهم من أهل الجنة . وقول من قال لا يجوز ذلك لأنه يخرجهم من الخوف فلا بأس أن يخافوا تغيير العاقبة ، والذي يجدونه في قلوبهم من الهيبة والتعظيم والإجلال للحق سبحانه ، يزيد ويربو على كثير من الخوف . واعلم أنه ليس للولي مساكنة « 2 » إلى الكرامة التي تظهر عليه ، ولا له ملاحظة . وربما يكون لهم في ظهور جنسها قوة يقين وزيادة بصيرة لتحققهم أن ذلك فعل اللّه ، فيستدلون بها على صحة ما هم عليه من العقائد . وبالجملة ، فالقول بجواز ظهورها على الأولياء واجب ، وعليه جمهور أهل المعرفة ، ولكثرة ما تواتر بأجناسها الأخبار والحكايات صار العلم بكونها وظهورها على الأولياء في الجملة علما قويا انتفى عنه الشكوك ومن توسط هذه الطائفة وتواتر عليه حكاياتهم وأخبارهم لم تبق له شبهة في ذلك على الجملة . ومن دلائل هذه الجملة : نص القرآن في قصة صاحب سليمان عليه السلام ، حيث قال : « أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك » « 3 » ولم يكن نبيا .

--> ( 1 ) أي علم الولي بأنه ولى . ( 2 ) سكون . ( 3 ) آية 40 من سورة النمل .